القوات اللبنانية: هذه المرة الدولة في المقابل… وحزب إيران بلا غطاء سياسي

صدر عن جهاز الاعلام و التواصل في القوات اللبنانية اليوم:

الفارق الجوهري بين الحرب الأخيرة، التي اندرجت بوضوح في سياق “إسناد الجمهورية الإسلامية في إيران”، وبين حرب تموز 2006 وحرب إسناد غزة في تشرين الأول 2023، يكمن في موقع الدولة اللبنانية. ففي المرتين السابقتين، وعلى الرغم من الاعتراضات والانقسامات الحادة، لم تكن الدولة قد رفعت الغطاء السياسي عن “حزب إيران في لبنان”. لم تكن قد صنّفته تنظيمًا غير شرعي، ولم تكن قد أعلنت صراحة أن سلاحه خارج عن القانون ويجب تفكيكه بالقوة.

في حرب تموز 2006، التي اندلعت بعد عملية خطف الجنود الإسرائيليين، تعاملت الدولة مع الحزب بوصفه مكوّنًا داخليًا، وإن كان سلاحه موضع انقسام وطني، وسعت إلى احتواء النتائج عبر الدبلوماسية والتحرّك الدولي. وكذلك في تشرين الأول 2023، حين انخرط الحزب في ما سمّاه “إسناد غزة”، لم تبادر الدولة إلى توصيفه تنظيمًا غير قانوني، ولم تضع نفسها في موقع القطيعة معه، لا سيما أنه كان يتحكّم بأكثرية الحكومة ويملك نفوذًا وازنًا في مؤسسات القرار.

أما اليوم، فالصورة مختلفة جذريًا. أول الفوارق أن الحزب يخوض حربه في وقت اعتبرته الدولة تنظيمًا غير شرعي، ودعت إلى حلّ جناحيه العسكري والأمني، ونزع سلاحه بالقوة، وملاحقة عناصره قضائيًا وتوقيفهم. هذا التحوّل ليس تفصيلًا عابرًا، بل انتقال من مرحلة الالتباس السياسي إلى مرحلة التوصيف القانوني الواضح. فعندما تقول الدولة إن السلاح غير شرعي، فإنها تضع نفسها في موقع النقيض من أي عمل عسكري ينطلق خارج مؤسساتها، وتتحمّل في المقابل مسؤولية ترجمة هذا الموقف إلى إجراءات عملية.

الفارق الثاني أن الدولة، في عامي 2006 و2023، دخلت على خط المفاوضات لوقف الحرب، وسعت إلى تحييد لبنان أو الحدّ من خسائره عبر شبكة اتصالاتها الدولية. كانت تتصرّف، شئنا أم أبينا، كأنها معنية، ويا للأسف، بحماية الحزب من تداعيات قراراته. أما اليوم، فلا يمكن للدولة أن تفاوض بالنيابة عن تنظيم تعتبره غير شرعي، ولا أن تطلب وقفًا لإطلاق النار لحساب جهة تدعو رسميًا إلى تفكيكها. هذا الموقف ذو طبيعة تاريخية، لأنه يفصل نهائيًا بين الدولة والتنظيم، ويضع حدًا لمنطق ازدواجية القرار التي كبّلت لبنان لسنوات طويلة.

الفارق الثالث أن الحزب يفتقد هذه المرة إلى أي غطاء سياسي داخلي وازن. لا أصوات بارزة تعلن دعمه صراحة، ولا تحالفات متماسكة تتبنّى خياره. وحتى داخل بيئته، بدأت ملامح التململ تظهر بوضوح. الانقسام لم يعد بين معسكرين وطنيين متقابلين كما في السابق، بل بات يتسلّل إلى داخل البيت الواحد. وهذا العزل السياسي يضاعف مأزقه، إذ يضعه في مواجهة الدولة من جهة، وفي عزلة داخلية متنامية من جهة أخرى.

أمام هذا الواقع، تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة. المطلوب تنفيذ المقرّرات التي صدرت عن مجلس الوزراء بحظر هذا الحزب عسكريًا وأمنيًا، لا الاكتفاء بإعلانها. المطلوب تشديد الرقابة، تكثيف الحواجز، توقيف مطلقي الصواريخ، وإحالة كل من يورّط لبنان في الحرب إلى القضاء المختص. نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تحسم الدولة قرارها وتفرض سلطتها الكاملة على أراضيها، وإما أن تستمرّ الحرب ويتكرّس واقع الخطف الدائم للبنان واللبنانيين.

إن حماية الشيعة، كما حماية سائر اللبنانيين، لا تكون بإبقاء سلاح خارج إطار الدولة يعرّضهم للدمار والعزلة، بل بإعادة القرار الأمني والعسكري إلى المؤسسات الشرعية وحدها. وحدها الدولة قادرة على صون الجميع بلا استثناء. وكلما سارعت إلى تنفيذ مقرّراتها بجدّية وحزم، ازدادت فرص إنقاذ لبنان واللبنانيين من دوامة مفتوحة على الموت والمجهول.

Exit mobile version