القوات اللبنانية: القرار السيادي لا يُناقش…

صدر عن جهاز الإعلام و التواصل في القوات اللبنانية اليوم:
لا بدّ من التوقّف، ولو سريعًا، عند ثلاث نقاط أساسية تستدعي التوضيح والتأكيد:
⁃ أولًا، إنّ عدم تطرّق مجلس الوزراء إلى قرار وزير الخارجية اللبناني جو رجي بطرد السفير الإيراني واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، هو بالضبط ما كان يجب أن يحصل. فهذه المسألة ليست موضع نقاش أصلًا، لأنّ القرار قد اتُّخذ وانتهى، وما أُقرّ لا عودة عنه. إنّ إدراج بند على جدول الأعمال يعني قابليته للنقاش، أمّا إسقاطه عن الجدول فدليل واضح على أنّه قرار سيادي لبناني محسوم وغير قابل للمراجعة. ولو أراد أي طرف الاعتراض، لكان بإمكانه إثارة الموضوع من خارج جدول الأعمال، وعندها يأتيه الجواب الحاسم: القرار اتُّخذ، وهو نافذ. بهذه البساطة. غير أنّ تطلّعات اللبنانيين لا تقف عند هذا الحدّ، بل تتجه نحو خطوات أكثر تقدّمًا، ولا سيما بعد القرارات التاريخية في 5 آب و2 آذار، وفي طليعتها إقفال السفارة الإيرانية، نظرًا لخصوصية الحالة الإيرانية في لبنان، حيث لا تزال إيران تمارس دورًا يعطّل قيام الدولة الفعلية، عبر دعم وتسليح وتدريب أداته في لبنان، في سابقة تناقض كل الأعراف والقوانين الدولية.
⁃ ثانيًا، يخرج بعض مسؤولي “حزب إيران في لبنان” للحديث عن “واجب وطني” يقضي بإسقاط الحكومة، بذريعة أنّها اتخذت قرارات سيادية. وهنا يطرح السؤال البديهي: إذا كان إسقاط الحكومة واجبًا وطنيًا، فلماذا البقاء فيها؟
لماذا لا يستقيل وزراؤهم فورًا؟
لماذا هذا التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة؟
إنّ البقاء في الحكومة مع الدعوة إلى إسقاطها يكشف حجم المأزق الذي يعيشه هذا الفريق، وعجزه عن ترجمة تهديداته إلى أفعال. ومع ذلك، لا يجوز التهاون مع هذا الخطاب التصعيدي، بل ينبغي مواجهته سياسيًا ودستوريًا، وصولًا إلى طرح مسألة إقالة هؤلاء الوزراء الذين يجمعون بين السلطة ومعارضتها في آن واحد إلى حد تخوينها والدعوة لإسقاطها بالقوة.
⁃ ثالثًا، أتحفنا النائب محمد رعد بمقالة مكررة يتهِّم فيها الحكومة بالخروج عن اتفاق الطائف، في قراءة تفتقر إلى الدقة وتتناقض مع نصوص الاتفاق نفسها. فالطائف نصّ صراحة على “اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها ونشر الجيش اللبناني على الحدود المعترف بها دوليًا”. أي أنّ المرجعية هي الدولة اللبنانية، بقرارها السيادي، وبمؤسساتها الشرعية، لا أي تنظيم خارج إطارها. فالسيادة للدولة، لا لأي محور خارجي، والجيش اللبناني هو الجهة المخوّلة، لا أي قوة موازية. كما أنّ الاتفاق لم يحدّد وسيلة واحدة للتحرير، بل ترك الأمر لتقدير الدولة، دبلوماسيًا أو عسكريًا، وفق ما تراه مناسبًا.
إنّ جوهر اتفاق الطائف كان إنهاء الانقسام الداخلي وبناء دولة جامعة، لا تكريس وجود فصيل مسلّح مرتبط بالخارج. وبالتالي، فإنّ محاولة تفسيره بما يشرعن هذا الواقع تشكّل انقلابًا عليه، لا دفاعًا عنه. ومن هنا، فإنّ هذه السردية التي سقطت في الميدان، يجب أن تسقط أيضًا في السياسة، لأنّ بناء الدولة لا يستقيم مع ازدواجية القرار، ولا مع مصادرة السيادة من حزب إيراني المنشأ والأهداف.
ختامًا، كفى استخفافًا بعقول اللبنانيين. إنّ اتفاق الطائف وُضع أساسًا لإنهاء الانقسام بين المسيحيين والمسلمين، ولا يُعقل أن يقبل المسيحي في لبنان ببقاء ميليشيا شيعية إيرانية، كما لا يمكن أن يقبل السنّي، الذي ارتبط الاتفاق تاريخيًا باحتضانه في المملكة العربية السعودية، باستمرار فصيل إيراني مسلّح على الأراضي اللبنانية. كذلك، لا يمكن للمكوّن الدرزي، ولا لأي لبناني يطمح إلى دولة فعلية، أن يسلّم بهذا الواقع الشاذ. إنّ الإصرار على تسويق هذه السردية لا يُعدّ سوى استمرار في الكذب المكشوف، ومحاولة يائسة لفرض أمر واقع يتهاوى عسكريًا وسياسيًا وشعبيًا. ومن المعيب على محمد رعد وسواه من المسؤولين مواصلة هذا الكذب المفضوح.



