أخبار لبنان

حزب حرّاس الأرز: أبو أرز… حين تتحوّل القومية اللبنانية إلى عقيدة سيادة

صدر عن قيادة الإعلام في حزب حرّاس الأرز: أبو أرز رمز قوميتنا اللبنانية

في الجغرافيا اللبنانية، حيث لا تقوم السياسة على التوازنات فحسب، بل على صراع التعريفات، هنا تبرز شخصيات لا تُقرأ بوصفها فاعلة سياسية عادية، بل كحالة عقائدية مكتملة. في طليعة هذه الحالات، يقف اتيان صقر، مؤسس حزب حرّاس الأرز- حركة القومية اللبنانية، كرجل لم يتعامل مع لبنان كمساحة حكم، بل كقضية وجود، لم يتعاطَ مع السياسة كفنّ الممكن، بل كمعركة تعريف وهوية.
منذ انطلاقة حزب حرّاس الأرز، صاغ المؤسس “أبو أرز” مشروعه على قاعدة صلبة، لبنان ليس تفصيلًا في محيط، ولا نتيجة تسوية تاريخية عابرة، بل كيان قائم بذاته، متجذر في عمق حضاري خاص، لا يُختزل بعروبة سياسية، ولا يُلحق بأي محور إقليمي أو ديني. هذه ليست مجرد مقاربة ثقافية، بل إعلان سياسي صريح بأن الهوية اللبنانية هي نقطة الاشتباك الأولى والأساسية، وأن أي خلل فيها يفتح الباب أمام انهيار الكيان نفسه. بهذا المعنى، تتحول “القومية اللبنانية” عنده من توصيف إلى عقيدة. عقيدة ترفض التسييل، ترفض التوفيق القسري، وترى أن لبنان إما أن يكون سيد نفسه، أو لا يكون. من هنا، لم يكن مستغربًا أن يترجم هذا التصور في بنية تنظيمية عسكرية عبر حزب حراس الأرز كمقاومة وطنية للوجود الفلسطيني ولأي وجود آخر مهما تزين بكلمات اللغة. لم يُنشأ كحزب تقليدي يسعى إلى تمثيل نيابي أو حصص سلطوية، بل كجهاز عقائدي نضالي، هدفه حماية الأمة اللبنانية، ولو خارج قواعد اللعبة السياسية الكلاسيكية التي يمتاز بها تجار السياسة.
أليس هو القائل في مهرجان تكريم شهداء حراس الأرز في شكا في 18-7-1977 ” فليعلم الجميع أن اللبنانية دين، والشهادة تقليد وتراث، والفداء اختراع فينيقي”
مع اندلاع الحرب اللبنانية، دخلت هذه العقيدة حيّز الاختبار العملي. فبالنسبة إليه، لم تكن الحرب نزاعًا أهليًا بين مكونات متناحرة، بل نتيجة مباشرة لانهيار السيادة أمام قوى خارجية وجدت في الداخل أدوات تنفيذ. من هذا المنطلق، خاض مواجهته مع الوجود الفلسطيني المسلح، لا بوصفه خصمًا قوميًّا، بل باعتباره سلطة عسكرية موازية انتزعت قرار الحرب والسلم من الدولة اللبنانية، وحوّلت الأرض اللبنانية إلى منصة صراع لا يملك اللبنانيون قرارها، في هذا السياق، تتجلّى إحدى أكثر سمات خطابه صلابة، رفض مطلق لفكرة “السلاح خارج الدولة”. بالنسبة إليه، لا شرعية لأي قوة مسلحة لا تنبثق من الدولة، مهما كانت الشعارات التي ترفعها. هذا المبدأ لم يكن ظرفيًا، بل تحوّل إلى معيار ثابت لا يقبل حتى النقاش بالموضوع. ففي العام 1976 ومن معتصمه بالجبل اللبناني الأشمّ، كتب الى المقاتل اللبناني يدعوه فيه الى التيقظ والحذر لأن الحرب اللبنانية الفلسطينية لم تنته بعد وان أعداء لبنان كثر وعلى وعيه يتوقف مصير لبنان. أوصاهم قائلاً لا تناموا بحجة ان الحرب قد انتهت وان العدو قد اندحر يجب ان تعوا ان الأعداء كثر.
حين دخلت قوات الأسد إلى لبنان، في لحظة كان كثيرون ينظرون إليها كعامل توازن أو ضرورة مرحلية، قرأ أبو أرز المشهد من زاوية مختلفة كليًا. رأى في هذا الدخول تأسيسًا لوصاية ممنهجة ليتحول الى احتلال، وليس مهمةً مؤقتة. ومع تثبيت النفوذ السوري داخل مؤسسات الدولة، انتقل خطابه إلى توصيف واضح، احتلال سياسي، عسكري مقنّع، يُدار عبر أدوات محلية ويُفرض كأمر واقع على القرار اللبناني.
هذه القراءة المبكرة لم تكن تفصيلًا، بل امتدادًا مباشرًا لعقيدته، أي قوة خارجية تمسك بمفاصل القرار اللبناني، مباشرة أو عبر وكلاء، هي في موقع الخصم، بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها أو التحالفات التي تنسجها ومع تحوّل المشهد اللبناني بعد الحرب وصعود حزب الله كقوة أمنية عسكرية سياسية وازنة، لم يبدّل أبو أرز منهجه، بل أسقط عليه المعادلة نفسها. بالنسبة إليه، المشكلة ليست في العنوان المعلن، بل في البنية الفعلية سلاح خارج الدولة، قرار استراتيجي مرتبط بمحور إقليمي تقوده إيران، ودور يتجاوز حدود السيادة اللبنانية نحو وظيفة إقليمية.
هنا، تتبلور استمرارية نادرة في الخطاب السياسي من رفض السلاح الفلسطيني، إلى رفض الاحتلال السوري، وصولًا إلى رفض سلاح حزب الله، نرى خطًا واحدًا غير قابل للتبديل، يقوم على مبدأ حصرية القوة بيد الدولة. هذه الاستمرارية هي ما يمنح تجربة أبو أرز طابعها العقائدي الصلب، ويفصلها عن كثير من القيادات التي أعادت تموضعها وفق موازين القوى
غير أن هذه الصلابة نفسها تكشف حدودها فالقائد العقائدي، حين يرفض التسويات، يضع نفسه خارج منطق النظام اللبناني القائم على التوازنات الدقيقة. وهنا، لم يتمكن أبو أرز من تحويل مشروعه إلى حالة وطنية جامعة، بل بقي ضمن إطار سياسي فكري محدد التف حوله العديد من السياسيين والإعلاميين والمفكرين كونه يمتلك وضوحًا في الرؤية، لكنه فتقر إلى الامتداد العابر للطوائف والتيارات ما بعد العام 2000بحكم تسلط قوى الأمر الواقع وفبركة قضايا غب الطلب كلما ادلى بتصريح أصاب فيه سلطة الاحتلال السوري وسلطة ميليشيا حزب الله، مع ذلك، لا يمكن اختزال تجربته في حدود الحجم السياسي. فالأثر الحقيقي لأبو أرز يكمن في تثبيت خطاب سيادي راديكالي، أعاد تعريف النقاش حول الدولة في لبنان، هل هي مرجعية وحيدة للسلاح والقرار، أم مجرد إطار شكلي تتقاسمه قوى الأمر الواقع؟
وفق معايير القيادة المقاوِمة، يظهر أبو أرز كحالة تحمل عناصر متقدمة وضوح سيادي حاد، ثبات أيديولوجي نادر، واستقلالية عن تقلبات المحاور في المحصلة، يمثّل أتيان صقر نموذج “حارس العقيدة” أكثر مما هو “مهندس الدولة” بالمعنى السياسي لأنه عمل ويعمل على إشراقة وطن. رجل لم يساوم على تعريفه للبنان، ولم يعترف بشرعية أي قوة تنازع الدولة على قرارها، وبقي حتى الآن متمسكًا بخط واحد لا سيادة بلا احتكار كامل للقوة، ولا وطن بلا هوية واضحة غير قابلة للتأويل، وبين من يرى فيه رمزًا للصلابة السيادية، ومن يعتبره تعبيرًا عن أقصى حالات التشدد السياسي، يبقى الثابت أن تجربته تشكّل أحد أكثر النماذج نقاءً وأشدها إثارة للجدل في تاريخ الصراع على هوية لبنان ودوره.
الآن وخلال هذا الصراع العنيف على بقاء لبنان الأمة والوطن لا يبدو الحديث عن أتيان صقر استعادةً لمرحلة مضت بقدر ما هو استحضارٌ لحاجةٍ راهنة. فبين انكشاف الدولة، وتعدّد مراكز القرار، وتحوّل لبنان مجددًا إلى ساحة تقاطع مشاريع، يتصاعد صوت شريحة واسعة من المطالبين الوطنيين من ساسة وإعلاميين ومواطنين، لتؤكد أن لحظة كهذه تستدعي حضورًا من طراز مختلف، حضور القائد العقائدي الذي لا يساوم على تعريف الوطن ولا يهادن في مسألة السيادة.
من هنا، يتكرّس مطلب واضح عودة أبو أرز إلى أرض الوطن، لا كرمزٍ تاريخي، بل كفاعل سياسي في معركة مفتوحة على هوية لبنان وقراره. فالرجل الذي أعلن في سبعينيات القرن الماضي ضرورة خوض “حرب بلا هوادة” ضد أعداء لبنان، لم يكن يطرح شعارًا ظرفيًا، بل يحدّد إطارًا دائمًا للصراع، قائمًا على مواجهة كل ما يهدد الأمة، أيًا كان شكله أو غطاؤه واليوم، إذا كانت تلك الأعداء قد تبدّلت، فإن جوهرها وفق هذا المنطق لم يتغيّر أبداً، مشاريع عابرة للحدود، أيديولوجيات مستوردة، وسلاح يتقدّم على الدولة. بل إن أحد أخطر هذه التحديات يتجلّى في الأيديولوجيات العقائدية التي تضرب التعدد في لبنان، التي تُطرح مجددًا في الفضاء اللبناني، محمّلة بخطاب يتناقض مع فكرة الكيان الحرّ المستقل، ويعيد إنتاج منطق الصراع المفتوح على حساب الدولة. في هذا السياق، لا تُطرح عودة أتيان صقر كحنينٍ إلى الماضي، بل كخيار سياسي يعتبر أن المعركة لم تنتهِ، وأن ما حذّر منه بالأمس يتكرّر اليوم بأشكال مختلفة. وعليه، فإن الحاجة ليست إلى استذكار خطابه، بل إلى إعادة تفعيله ضمن معركة سيادية جديدة، تتطلّب وضوحًا لا لبس فيه، إما دولة تحتكر قرارها، أو ساحة تُدار من خارجها، ولهؤلاء نقول وبالفم الملآن كما قلنا دائماً، لبّيك لبنان.
حزب حراس الأرز

قيادة الإعلام

جوزاف س. أمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى