رسالة مفتوحة إلى الأستاذ عبد الغني طليس حين يتحوّل الخلاف السياسي إلى مساس بكرامة الناس

بقلم: عمر عيتاني

 

استوقفني، بالأمس، منشورٌ للأستاذ عبد الغني طليس أعاد فيه نشر وثيقة تتعلّق بالنائب عن بيروت وضاح صادق. ولم يكن ما أثار استغرابي مضمون المنشور وحده، بل إصرار الأستاذ طليس على إعادة إثارة هذا الموضوع في أكثر من مناسبة، وكأنّ المسألة باتت محورًا ثابتًا لا بد من العودة إليه كلما ذُكر اسم النائب صادق.

 

أكتب هذه الرسالة بصراحة المحبّ، لا بمنطق الخصومة. فأنا من أشد المعجبين بالأستاذ عبد الغني طليس، وبثقافته وأسلوبه ومكانته وحضوره الراقي في الحياة العامة. ومن هذا الموقع تحديدًا، كان استغرابي أكبر؛ لأن ما نعرفه عنه لا ينسجم، برأيي، مع الإصرار على نشر وثيقة شخصية وتقديمها كما لو أنّها إدانة سياسية أو أخلاقية لصاحبها.

 

أستاذ عبد الغني، نحن أبناء بيروت نعرف أنّ النائب وضاح صادق، سواء اتفق البعض معه أو اختلفوا، هو نائبٌ منتخب يمثّل شريحة من أبناء العاصمة. وعندما يُستهدف بصورة متكررة انطلاقًا من أصوله أو من مسألة مرتبطة بالجنسية، فإن الأمر لا يبقى خلافًا مع شخصٍ أو نائب، بل يتحوّل إلى خطاب يمسّ شعور كثير من أبناء بيروت وكرامتهم وانتماءهم إلى مدينتهم.

 

بيروت لم تكن يومًا مدينة مغلقة أو منغلقة على ذاتها، بل كانت مدينة التنوع والتلاقي والانفتاح. تكوّن مجتمعها عبر أجيال من عائلات ذات جذور متعددة، لكنها اجتمعت تحت سقف المدينة والهوية اللبنانية. لذلك، لا يمكن اختصار الانتماء إلى بيروت بورقة أو بقيد أو بتاريخ حصول شخص على الجنسية، بل بما يقدّمه لهذه المدينة وبمدى التزامه بقضاياها وأهلها.

 

الانتقاد السياسي حق… لكن أين السياسة؟

 

من حق الأستاذ عبد الغني طليس أن ينتقد النائب وضاح صادق كما يشاء. ومن حقه أن يناقش مواقفه السياسية، وأن يعترض على أي اقتراح قانون يقدّمه، أو على موقف اتخذه، أو على أداء نيابي أو سياسي يراه خاطئًا. هذا حق مشروع ومطلوب في أي حياة ديمقراطية سليمة.

 

لكن اللافت أن المنشورات المتكررة لا تتناول، في معظمها، أداء النائب أو مواقفه أو تشريعاته، بل تتركّز على وثيقة يُراد من نشرها الإيحاء بأن هناك مشكلة في أصل الرجل أو في طريقة حصوله على الجنسية.

 

وهنا يبرز السؤال: ما علاقة هذه الوثيقة بأداء النائب؟ وهل تشكّل الجنسية أو توقيت الحصول عليها معيارًا للحكم على وطنية الإنسان أو أهليته للعمل السياسي؟ وهل يصبح اللبناني أقلّ انتماءً لمجرد أن أسرته لم تكن مسجّلة في البلاد منذ مئات السنين؟

 

لبنان نفسه قام على تنوع عائلاته وأصول أبنائه. وقد عرف تاريخه شخصيات سياسية وقضائية وفكرية ودينية ووطنية حصلت على الجنسية اللبنانية أو انحدرت من جذور غير لبنانية، ولم يمنعها ذلك من أن تتحول إلى جزءٍ أساسي من الذاكرة الوطنية.

 

ومن أبرز الأمثلة الإمام موسى الصدر، الذي نكنّ له جميعًا، على اختلاف انتماءاتنا، كل الاحترام والتقدير. لم تكن قيمة الإمام الصدر مرتبطة بمكان ولادته أو بأصل عائلته، بل بما قدّمه للبنان وبما حمله من مشروع وطني وإنساني. فالأوطان لا تُبنى بالأوراق وحدها، بل بالعمل والتضحية والانتماء الحقيقي.

 

الوثيقة ليست موضع إدانة

 

حتى لو افترضنا أن الوثيقة المنشورة صحيحة، فأين الإدانة فيها؟ وأين العيب في أن يحصل شخص على الجنسية اللبنانية بصورة قانونية، ثم يعمل في لبنان ويؤسس أعمالًا ويوظف لبنانيين ويشارك في الحياة العامة؟

 

لا يمكن تحويل حق قانوني إلى تهمة، ولا يجوز استخدامه لتصنيف الناس بين لبنانيين أصليين ولبنانيين أقلّ درجة. هذه اللغة خطرة على أي مجتمع، وخصوصًا على مجتمع متنوع مثل المجتمع اللبناني.

 

بل على العكس، عندما يختار الإنسان لبنان وطنًا، ويعمل فيه ويستثمر فيه ويوفر فرص العمل لأبنائه ويدافع عن مؤسساته، فإن ذلك يجب أن يُقاس بما أنجزه، لا بالتاريخ المكتوب على قيده.

 

المفاخرة لا تكون بأن يكون الإنسان وريث اسم أو عائلة فقط، بل بأن يكون منتجًا وفاعلًا ومسؤولًا تجاه وطنه. والانتساب الحقيقي إلى بيروت لا يثبت بشهادة قيد وحدها، بل بالوقوف إلى جانب أهلها والدفاع عن حقوقهم والعمل من أجل تحسين حياتهم.

 

ماذا قدّم وضاح صادق لبيروت؟

 

قد يختلف البعض مع النائب وضاح صادق في السياسة، وهذا أمر طبيعي. لكن لا يمكن إنكار حضوره في عدد من الملفات التي تعني بيروت وأهلها بصورة مباشرة.

 

لقد رفع صوته في العديد من الملفات من ملف المطار إلى ملف الكهرباء والتفاوت في التغذية بين المناطق، وسعى إلى فتح ملف بلدية بيروت وما تعانيه من شلل وانقسام وعجز عن تأمين أبسط الخدمات. كما طرح أفكارًا لمعالجة أزمة الإدارة البلدية وإعادة تفعيل العمل الإنمائي في العاصمة، وغيرها الكثير الكثير…

 

وبحسب ما يعرفه عدد من المقربين منه، فإن عمله لا يقتصر على المواقف العلنية، بل يشمل مبادرات اجتماعية ومساعدات يقدمها بعيدًا عن الإعلام والضجيج. كما أنه أسس أعمالًا وفرت فرصًا وظيفية لعدد كبير من اللبنانيين، في وقت يعاني فيه الشباب من البطالة والهجرة وانسداد الأفق.

 

ولا أذكر هذه الأمور لإعفاء النائب من المحاسبة، ولا لتحويله إلى شخصية فوق النقد. فلا نائب فوق النقد، ولا مسؤول فوق المساءلة. لكن المحاسبة الحقيقية تكون على العمل والأداء والنتائج، لا على الأصل العائلي ولا على كيفية تدوين القيد.

 

ناقشوه في مواقفه. حاسبوه على تشريعاته. اسألوه عن وعوده ومشاريعه وما حققه وما أخفق فيه. لكن لا تجعلوا من وثيقة شخصية سلاحًا يُستخدم كلما أردتم النيل منه.

 

بيروت لا تسأل أبناءها من أين جاؤوا

 

بيروت لا تسأل أبناءها من أين جاؤوا، بل ماذا قدّموا لها.

 

هذه المدينة احتضنت اللبنانيين والعرب وكل من وجد فيها مساحة للعمل والثقافة والحرية. قوتها لم تكن يومًا في النقاء المزعوم، بل في قدرتها على استيعاب الجميع وصهرهم في هوية مدينية ووطنية واحدة.

 

وعندما يُنتخب شخص نائبًا عن بيروت، يصبح خاضعًا لمحاسبة أهلها على أدائه، لكن لا يحق لأحد أن ينتزع منه تمثيله لمجرد الاعتراض على جذوره أو ظروف حصول أسرته على الجنسية. الناخبون هم الذين يمنحون الشرعية أو يحجبونها، وصناديق الاقتراع هي التي تقرر من يمثلهم.

 

إن النائب وضاح صادق يمثّل ناخبين بيروتيين منحوه أصواتهم وثقتهم. واستهدافه بخطاب يمسّ أصله أو جنسيته قد يشعر كثيرين بأن الاستهداف لم يعد موجّهًا إلى شخصه، بل إلى كل من يعتبره ممثلاً له وإلى كل عائلة لبنانية قد تكون لها قصة مشابهة.

 

رسالة محبّ لا خصم

 

أستاذ عبد الغني، ما نزال نراك الرجل المثقف والراقي الذي نحترمه ونقدّره. ولذلك نرجو منك أن تراجع هذا الأسلوب، لا لأن أحدًا يريد مصادرة رأيك أو منعك من الانتقاد، بل لأن مكانتك أكبر من الدخول في هذه الزواريب.

 

انتقد وضاح صادق سياسيًا قدر ما تشاء. ناقشه في أدائه النيابي، في مواقفه من القضايا الوطنية، في رؤيته لبيروت، في المشاريع التي يطرحها وفي مدى قابليتها للتنفيذ. لكن لا تجعل الوثيقة محورًا دائمًا، ولا تسمح بأن يُفهم منها أن بعض اللبنانيين أقل لبنانية من غيرهم.

 

المواقف السياسية تزول وتتغير، أما الكلمات التي تمسّ الناس في كرامتهم وأصولهم فتبقى وتترك آثارها.

 

وضاح صادق ليس فوق النقد، لكنه أيضًا ليس متهمًا لمجرد أن وثيقة ما تكشف تاريخ تدوين قيده. وهو، في النهاية، نائب عن بيروت اختاره جزء من أهلها، وأي نقاش حوله يجب أن ينطلق من أدائه ومن مدى وفائه لثقتهم.

 

رسالتي إليك ليست دعوة إلى الصمت، بل دعوة إلى رفع مستوى النقاش. فلنختلف في السياسة، ولنحتكم إلى الوقائع والإنجازات والقوانين، لا إلى الأصول والقيود والهويات.

 

بيروت التي نحبها تتسع للجميع، وكرامة أبنائها لا تتجزأ.

Exit mobile version