خاص__
مع بداية كل عام دراسي جديد، يواجه المواطن اللبناني اختباراً قاسياً يمسّ أمنه الاجتماعي والاقتصادي في العمق. لم تعد رحلة البحث عن تعليم جاد لأبنائه مجرد قرار تربوي، بل أصبحت معركة معيشية يخوضها الأهالي للتعايش مع أقساط المدارس الخاصة التي باتت تُسعّر غالبيتها بالدولار الفريش، وبأرقام تفوق بأضعاف قدرة المداخيل المحلية على الاستيعاب.
تتقاطع هذه الأزمة اليوم مع موجة غلاء متصاعدة تطال مختلف السلع والخدمات الأساسية، بدءاً من الفواتير الاستهلاكية اليومية وصولاً إلى المحروقات والطبابة. وما يزيد الطين بلة هو تراجع حجم المساعدات والمنح الخارجية التي كانت تُسهم سابقاً في تمويل بعض البرامج والمشاريع الإغاثية أو حزم الدعم الموجهة للعائلات والقطاع التربوي. هذا التقلص جعل العائلات بمفردها أمام فكّي التضخم المتزايد ومتطلبات المدارس التي تُبرر ارتفاع أقساطها بكلفة التشغيل المرتفعة، من تحسين أجور الكوادر التعليمية إلى توفير الطاقة والصيانة.
ينتج عن هذا الواقع أثر اجتماعي وتربوي بالغة الخطورة، يتلخص في الآتي:
ضغوط معيشية خانقة: اضطرار أسر كثيرة للاستغناء عن احتياجات أساسية وتأجيل أولويات حيوية من أجل سداد الأقساط المدرسيّة.
استنزاف الطبقة الوسطى: تآكل ما تبقى من القدرة الشرائية للشرائح الشابة والطبقة الوسطى التي طالما شكلت الركيزة الأساسية للبلاد.
نزوح تعليمي حاد: ارتفاع احتمالات الانتقال القسري نحو المدارس الرسمية، في وقت تحتاج فيه المدارس الحكومية نفسها إلى دعم بنيوي للتعامل مع هذا التدفق الضخم.
إن الاستمرار في تحميل المواطن وزر التكلفة التشغيلية كاملاً يهدد بفتح باب أزمة معيشية واجتماعية جديدة لا تقتصر آثارها على الجانب المالي، بل تمتد لتطال جودة التعليم وفرص أجيال قادمة في بناء مستقبل مستقر. إن حماية حق الوصول إلى التعليم لم تعد مجرد مطلب خدماتي، بل ضرورة لحفظ الاستقرار المجتمعي ومنع تفاقم أزمة الانكشاف الاقتصادي للأسر اللبنانية.
