بقلم شانتال خليل__
في البلد الذي اختبر كل أنواع الانهيارات وخرج منها مثخناً بالجراح، يُقال إن التاريخ لا يكرر نفسه إلا على شكل مهزلة، لكنه في لبنان يكرر نفسه كفصل جديد من استفزاز المواطن. اليوم، وفي خضم أزمة معيشية خناقها يشتد يومياً، تطفو على السطح تحركات جديدة من وزارة الاتصالات تتجه نحو إلغاء خيار “الأيام” من كروت التشريج، لتضع خطوط اللبنانيين وصبرهم على محك الاختبار مجدداً.
المفارقة التي تدعو للذهول تكمن في الذاكرة القريبة؛ فالجميع يذكر كيف اندلعت ثورة تشرين عام 2019. لم تكن يومها ضريبة الـ “5 دولار على الواتساب” هي المشكلة الوحيدة، بل كانت “القشة التي قصمت ظهر البعير”، الصاعق الذي فجّر غضباً تراكم لسنوات ودفَع بأكثر من مليون شخص إلى الشوارع. الغريب في السلوك الرسمي أن قطاع الاتصالات تحديداً يبقى دائماً القطاع المفضّل لنكش جراح الناس وتطبيش قرارات تصعيدية فوق رؤوسهم، وكأن هناك من يُصرّ على تجريب المجرب.
يأتي هذا التوجه في ظروف استثنائية وبائسة بكل المقاييس. المواطن اللبناني اليوم يئن تحت وطأة الفواتير الخيالية: من غلاء البنزين، إلى كلفة الطبابة والدواء المخيفة، مروراً بالمعيشة اليومية والأقساط المدرسية التي أرهقت كاهل العائلات. كل الشرايين حُصِرت ونُهبت، ولم يتبقَّ للمواطن سوى خط هاتف يحاول تمديد عمره بأقل كلفة ممكنة كرت ينتهي بالأيام ليحافظ على تواصله الأدنى مع العالم. فهل جفّت كل موارد الهدر في الدولة لتسدّ الوزارة عجوزاتها من جيوب محدودي الدخل؟
طرح هذا القرار في هذا التوقيت يفتح الباب أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن السلطة تعيش في برج عاجي وتتعامى عن الدروس التاريخية، مراهنةً على أن الشعب قد استُنزف وتعب لدرجة أنه سيبتلع القرار ويمرّره كغيره، أو أنها تتعمّد اختبار قدرة الشارع على الاحتمال لمربعات أكثر خطورة.
إن الرهان على صمت الناس في زمن الحرب والضائقة هو رهان خاسر. فالغضب المحتبس تحت جمر الظروف القاسية لا يحتاج أكثر من شرارة غير محسوبة ليعيد التاريخ نفسه؛ وحينها، لن ينفع التراجع، لأن القشة إذا سقطت هذه المرة، ستقصم ما تبقى من هيكل المعبد على الجميع.
