أنطوان خليل: قانون العفو بلا أسباب موجبة يزعزع الثقة بالعدالة ويهدر حقوق المتقاضين

كتب المحامي أنطوان خليل على صفحته الرسمية: قانون العفو من دون أسباب موجبة… ظاهرة في تاريخ التشريع

 

تكلّم كثيرون… وصمتت أكثرية الأغلبية.

 

والأخطر أن الساكت الأعظم هو المحامي.

 

قانون عورته الأساسية أنه يحمل تسمية «قانون».

 

قد نقنع عقولنا المدنية، لا الحقوقية، بأنه قانون ورد لرأب الصدع بين تأخّر العدالة واستمرارية التوقيف.

 

أو نلتزم الصمت إزاء سردية ردع فتنة مجتمعية داخلية… لا تمرّ على عاقل.

 

ولكن من الجريمة غير المعفى عنها ؛ أن نصمت على قانون يغسل تاريخ مسيرة قضائية على درب العدالة، لملفات نزاعية تمتد على مسرح الوطن بعرضه وطوله، ولا تنزل منزلة التهديد على سلم مجتمعي أو أمن قومي، أو على أية سردية من سرديات زمن العجائب الراهن.

 

فيكون من ناصر قانون العفو ضمن صف سياسي معيّن، ومن ناهضه في الجهة المقابلة من الرأي، ويبقى المواطن مصابًا بالذهول أمام واقعة تشريع زوال حقوقه… بصفعة ثانية شديدة الوطأة كسالفتها «سرقة العصر» لأموال المودعين!

 

وعليه، أسأل السادة النواب الأشاوس، الذين بأغلبيتهم لا يمتون إلى عالم التشريع بأي صلة:

 

من خوّلكم، والحكومة قبلكم، تحديد مدى أضرار الجرائم وتأثيرها في الشعب؟

 

ومن خوّلكم النطق بهشاشة عقوبة جرم التزوير أو الاحتيال أو إساءة الائتمان أمام جرم القتل والعمالة؟!

 

كيف يسوّل لنفسه من صوّت على هكذا «قانون مُجرَّم» أن ينسف قاعدة استقرار العمل القضائي، والحق الشخصي المناط بشكل جذري بتطبيق الحق العام وعقوبته؟!

 

إن الحق الشخصي ليس تفصيلًا هامشيًا تابعًا للحق العام، ولا يجوز أن يتحول قانون العفو إلى أداة تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إهدار حقوق أصحاب الادعاءات الشخصية أو إلى محو الآثار القانونية لمسارات قضائية قطعت شوطًا طويلًا.

 

ثم كيف سيجري إطار التطبيق أمام قاضي التحقيق؟ وهل سيتحوّل، بصورة أو بأخرى، إلى قاضٍ مدني يبحث في الآثار المدنية للعفو، وحقوق المتضررين، ومصير الادعاءات الشخصية؟

 

وما هو مسار ومصير الجرائم المتمادية والمستمرة؟ وكيف سيُحدَّد تاريخ انتهائها، ومدى شمولها بالعفو، وما هي الآثار التي ترتبت عليها قبل نفاذ القانون وبعده؟

 

وكيف سيُعالج وضع الجرائم التي بدأت قبل نفاذ قانون العفو واستمرت بعده، خصوصًا عندما تكون آثارها ونتائجها القانونية والمالية مستمرة؟

 

وكم سيرتفع ثمن سوقها، أسوةً بغضب القاضي واستبسال المحامي في ملاحقة الحقيقة وإحقاق الحق؟!

 

هل يمكن للمشرّع أن يشرح فتواه بالعفو، والتقدمة المجانية للهارب من وجه العدالة، «الطافر» غير المساق إلى التحقيق وغير المحاكم، بحماية فزلكات التبليغ؟!

 

وهل يجوز أن يستفيد من لم يمثل أمام القضاء، ولم يخضع للتحقيق والمحاكمة، من تشريع بالعفو، بما يساوي في النتيجة بين من واجه العدالة ومن فرّ منها؟

 

ألم يحن الوقت، يا مشرّع بلادي، لأن تعدّلوا قانون التبليغ وأصوله في زمن الرقميات والتطور التكنولوجي، لتسريع مسار العدالة والحد من إمكانية تعطيلها بذريعة التبليغ؟

 

إن معالجة بطء العدالة لا تكون بمحو آثارها، بل بتسريعها وإصلاح أدواتها.

 

والأخطر من ذلك كله هو السؤال الدستوري:

 

هل يجوز للمشرّع أن يتدخل في نتائج مسارات قضائية قائمة، وأن يمحو آثارها أو يعطّلها، من دون أن يصطدم ذلك بمبادئ استقلال القضاء وفصل السلطات والأمن القانوني وحماية الحقوق المكتسبة؟

 

نعم، لقد تم رمي الكرة أمام المجلس الدستوري، ولكن ما هو نطاق تدخله دستوريًا بالتصدي لهكذا قانون؟

 

مهما بحث المجلس، مع احترامي الكبير لأعضائه الكرام، لن يكون دوره تحقيق «عدالة مجتمعية» بالمعنى السياسي أو الاجتماعي، بل ممارسة رقابته ضمن الحدود التي رسمها الدستور لاختصاصه.

 

إلا أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو:

 

هل احترم المشرّع الحدود الدستورية الفاصلة بين وظيفته التشريعية ووظيفة السلطة القضائية، عندما يؤدي العفو إلى التأثير في مسارات قضائية وحقوق شخصية نشأت أو ترسخت بفعل تلك المسارات؟

 

وهنا تكمن خطورة المسألة.

 

فالعفو، وإن كان من حيث المبدأ أداة تشريعية معترفًا بها في الأنظمة الدستورية، ليس بالضرورة سلطة مطلقة غير قابلة للنقاش.

 

بل يجب أن يُقرأ في ضوء سائر المبادئ الدستورية، ولا سيما المساواة أمام القانون، وحماية الحقوق، واستقلال القضاء، وفصل السلطات، ومبدأ الأمن القانوني، وعدم التعسف في استعمال السلطة التشريعية.

 

ولا يكفي أن يحمل النص اسم «قانون» لكي يصبح بمنأى عن الرقابة الدستورية.

 

فالقانون ليس مجرد تسمية، وإنما هو قاعدة يجب أن تنسجم مع الدستور وروحه ومبادئه.

 

إن العفو العام، عندما يأتي لأسباب استثنائية واضحة ومبررة، قد يجد له مكانًا في السياسة التشريعية.

 

أما عندما يغيب السبب الموجب الواضح، ويصبح العفو وسيلة لمحو نتائج مسارات قضائية، أو لإنهاء مفاعيل ملفات ما زالت عالقة، أو لتحقيق توازنات سياسية آنية، فإن السؤال الدستوري يصبح أكثر إلحاحًا:

 

هل نحن أمام عفو تشريعي مشروع، أم أمام تدخل تشريعي في صميم وظيفة القضاء؟

 

وهل يستطيع المشرّع أن يساوي بين جرائم متفاوتة في طبيعتها وخطورتها وأضرارها، من دون معيار موضوعي واضح يبرر هذا التمييز؟

 

وهل يستطيع أن يحدد، بإرادته السياسية، أن جريمة ما أقل ضررًا على المجتمع من جريمة أخرى، من دون أن يضع معيارًا تشريعيًا موضوعيًا يمكن إخضاعه للرقابة؟

 

إن المساواة أمام القانون لا تعني بالضرورة مساواة جميع الجرائم، لكنها تفترض أن يكون أي تمييز بينها قائمًا على معيار موضوعي ومنطقي ومتناسب مع الغاية التشريعية.

 

أما أن تتحول السياسة إلى معيار في تصنيف الجرائم، فتلك مسألة أخرى.

 

مجلس نواب ممدّد لنفسه بأجندة خارجية

 

مجلس نواب ممدّد لنفسه بأجندة خارجية.

 

أقرّ مشروع حكومة، يبتسم رئيسها في كواليسها لتمرير قانونها.

 

ومرجع متعامٍ عن تمرير «قانون جريمة مجتمعية» خدمةً لناسه هنا وهناك… هناك.

 

وقانون فرنسي يبكي في خلفية المشهد أمام فتاوى لم يشهدها تاريخ التقاضي.

 

ووطن متلاشٍ الأطراف… منهار.

 

وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف.

 

هو الذي دفع ثمن التأخير القضائي.

 

وهو الذي دفع ثمن الانهيار.

 

وهو الذي خسر أمواله.

 

وهو الذي ينتظر حكمًا قضائيًا.

 

ثم يأتي التشريع ليقول له، في لحظة واحدة: إن المسار الذي سلكته أمام القضاء يمكن أن يُمحى بقلم المشرّع.

 

وهنا لا يعود السؤال عن العفو فقط.

 

بل يصبح السؤال عن الثقة بدولة القانون.

 

فإذا فقد المواطن ثقته بأن القضاء الذي يلجأ إليه قادر على إنتاج نتيجة تحظى بالحماية القانونية، فما الذي يبقى من وظيفة القضاء ومن معنى دولة المؤسسات؟

 

وأخيرًا…

 

إلى نقابة المحامين؛

 

إلى عباءتي ومرجعي الكريم؛

 

ينتظر منك التاريخ تسطير موقف يهز أركان الظلم، بالتصدي لقانون عفو سيقضي، حتمًا، على مسيرة مهنة المحاماة لعقدين من الزمن الفائت… ولا سمح الله، الآتي.

 

إن المحامي ليس شاهدًا على العدالة فحسب.

 

المحامي شريك في إقامتها.

 

وعندما يكون التشريع موضع شبهة جدية في مسّه بحقوق المتقاضين أو باستقلال القضاء أو باستقرار العمل القضائي، فإن الصمت لا ينبغي أن يكون الموقف الوحيد.

 

إن موقف نقابة المحامين في هذه اللحظة يجب ألا يُفهم على أنه موقف سياسي من فريق ضد فريق، بل موقف مهني ودستوري دفاعًا عن دولة القانون، وحق التقاضي، واستقلال القضاء، والحقوق الشخصية، والأمن القانوني.

 

فالمحاماة لا تدافع عن صاحب الحق عندما يقف أمام القاضي فقط؛ بل تدافع أيضًا عن حقه في أن تبقى العدالة التي طرق بابها ذات قيمة وأثر.

 

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا بد أن يُطرح:

 

من يحمي المواطن عندما يصبح القانون نفسه مصدرًا لزعزعة الثقة بالعدالة؟

Exit mobile version