أخبار لبنان

بعد زيارة واشنطن واستحقاق روما: هل ندخل مرحلة التنفيذ أم نبقى في مربع الانتظار؟

بقلم شانتال خليل

خاص: Lebanon  Press

تتجه الأنظار الدبلوماسية نحو العاصمة الإيطالية روما، التي تستعد لاستضافة الجولة الجديدة المرتقبة من المحادثات في 4 آب (أغسطس) القادم، وسط أسئلة جوهرية يطرحها الشارع اللبناني والأوساط السياسية: هل نحن أمام انفراج جدي وملموس يسلك مسار التنفيذ، أم أن الملفات المعقدة ستُبقي البلاد في مربع الانتظار الثقيل؟

​تأتي محطة روما المرتقبة كاستكمال طبيعي في المسار الذي انطلق في واشنطن واللقاءات الأخيرة التي جمعت الرئيس جوزيف عون بالإدارة الأمريكية. وأمام التقييم الشامل لهذه الزيارة الرئاسية، يبدو واضحاً أنها لم تكن خائبة ولا سلبية بالمعنى السياسي، بل استطاعت أن تعيد ترسيم وترسيخ صورة لبنان على الخريطة الدولية، بعد قطيعة وحالة من التهميش الدبلوماسي وغياب الرؤساء اللبنانيين عن البيت الأبيض لسنوات طويلة تمتد لعقود.

⭕️ ​إن قراءة نتائج زيارة واشنطن تُظهر بواقعية أن لبنان حقق مكسباً معنوياً وسياسياً تثبيتاً لرجوع الدولة إلى المحافل الدولية وعودتها شريكاً يُستمع إليه. لكن على الضفة الميدانية، قد يرى البعض أن الزيارة انتهت سيناريو “كما ذهب عاد”، نظراً لغياب الجداول الزمنية الحاطمة والحلول الفورية. فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بالصور البروتوكولية، بل بمدى ترجمته إلى مكاسب سريعة للداخل اللبناني.

⭕️ ​الامتحان الحقيقي يكمن في مدى الاستمرار بالعمل وفق “الاتفاق الإطاري” الانتقالي الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية. ومن المتوقع تحليلياً أن تدور نقاشات روما في 4 آب حول مدى إمكانية نقل هذا الاتفاق إلى سكة التطبيق العملي، خاصة بعد الخطوات الميدانية الأولى التي تمثلت بدخول الجيش اللبناني إلى مناطق مثل زوطر الغربية وتثبيت نقاطه فيها، لتشكل هذه الخطوات أُنموذجاً يستشهد به لاختبار مفهوم “المناطق التجريبية” ومسار التوسع القادم.

​السيناريو الإيجابي: ينطلق من احتمال نجاح اجتماعات روما في الدفع نحو خطة تنفيذية شمولية للبناء على خطوة زوطر الغربية والتوسع نحو باقي القطاعات، وهو ما سيُشكل انعكاساً إيجابياً مباشر لنتائج زيارة الرئيس عون، وسيثبت أن الغطاء الدولي والإقليمي قادر على حماية المسار الدبلوماسي ودعم الجيش اللبناني لمسك الأرض.

​السيناريو المعاكس: تحذر العديد من القراءات التحليلية من أن التعثر أو المماطلة الميدانية قد يجعل من خطوة زوطر مجرد حالة استثنائية محصورة، مما قد يحوّل زيارة واشنطن إلى محطة شكليّة أخرى، ليطغى المشهد السلبي ويبقى لبنان في الدائرة المغلقة.

⭕️ ​لكن الصورة الخارجية والتفاهمات الإقليمية تصطدم بحدث داخلي لا يقل تعقيداً؛ إذ يبدو المشهد السياسي المحلي منقسماً بحدة حول أصل هذه التحركات. ففي مقابل الدفع الرئاسي والدبلوماسي، يُبدي الفريق السياسي المعارض تحفظاً شديداً، رافضاً الاعتراف بأي مسار تفاوضي من هذا النوع أو تقديم أي التزامات تتعلق بتسليم السلاح أو تخلّيه عن ورقة القوة.

​كما تُقابل زيارة الرئيس عون لواشنطن ولقاءاته في البيت الأبيض بانتقادات وسجالات سياسية حادة من قبل هذا الفريق، الذي يرى في هذه اللقاءات تجاوزاً للثوابت أو انحيازاً للرؤية الأمريكية، مما يعمّق حالة الاستقطاب ويضع أية تفاهمات خارجية أمام جدار الصد الميداني والسياسي في الداخل.

⭕️ ​بعيداً عن التفاهمات الخارجية والاتفاقات الإطارية، يبقى التحدي الأكبر والأشمل ملقىً على عاتق الدولة اللبنانية في الداخل؛ إذ يطرح الشارع اليوم السؤال الأساسي: هل ستحين لحظة الاختبار الفعلي لفرض هيبة الدولة وتثبيت قيام مؤسساتها الحقيقية؟

​إن أي نجاح دبلوماسي أو تمدد عسكري موضع كذاك الذي شهدناه في زوطر الغربية سيبقى ناقصاً ما لم يُترجم إلى خطوات جديّة وسريعة نحو حصرية السلاح بيد المؤسسات العسكرية والشرعية فقط، وبسط السلطة على كامل الأراضي اللبنانية دون شراكة أو منازعة. والرهان اليوم هو ما إذا كانت هذه المرحلة الانتقالية ستشكل اللبنة الأولى لبناء “الدولة القوية”، أم أن التوازنات التقليدية ورفض الأطراف الداخلية ستستمر في تعطيل هذا الاستحقاق التاريخي.

⭕️ ​خلاصة القول

​لقد نجح الرئيس جوزيف عون في إعادة وضع اسم لبنان على الخريطة الخارجية وإعادة الاعتبار للشرعية الدستورية. غير أن استحقاق 4 آب في روما وما سيفضي إليه من مناقشات، إلى جانب مدى القدرة على تجاوز الرفض الداخلي وتعميم نموذج زوطر الغربية لفرض هيبة الدولة وحصرية سلاحها، سيبقيان الحد الفاصل لمعرفة ما إذا كنا نشهد ولادة فعلية لـ”دولة حقيقية”، أم أن المكتسبات السياسية ستظل مجرد عنوان خارجي بانتظار إرادة داخلية جازمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى