القوات اللبنانية: هنا ثابتون… أبناء مار مارون

صدر عن جهاز الاعلام و التواصل في القوات اللبنانية:
يصادف اليوم عيد مار مارون، وفي هذه المناسبة لا يمكن استحضار المارونية إلا بوصفها تجربة تاريخية متكاملة في الدفاع عن الحرية. فقد تميّز الموارنة، عبر تاريخهم، بعشقهم العميق للحرية، وناضلوا واستشهدوا دفاعًا عنها، واختاروا العيش المشترك بحرية ومن تلقاء أنفسهم.
وعندما قال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير: “إذا خُيّرنا بين العيش المشترك والحرية، نختار الحرية”، لم يكن ذلك رفضًا للعيش المشترك، بل تأكيدًا أن الموارنة اختاروه بحرية لا بالإكراه ولا بالقوة. من هنا ارتفع شأن العيش المشترك لديهم ليغدو هدفًا من أهدافهم، شرط الحفاظ على وجودهم وهويتهم، بعيدًا عن ثقافة الذوبان والانصهار. وما ينطبق عليهم ينسحب على سواهم.
فالعيش المشترك الحقيقي ليس إلغاءً للآخر، ولا تذويبًا له، ولا إلحاقًا أو استتباعًا، بل هو إقرار بوجوده كما هو. وقد دفع الموارنة أثمانًا باهظة تمسّكًا بهذا المفهوم الفعلي للعيش المشترك، القائم على التعددية بوصفها مصدر غنى يجب تثبيته وصونه، لا إلغاؤه أو التفريط به في سبيل تغيير رسالة لبنان وهويته ودوره.
لقد واجهوا مختلف أشكال القمع والاضطهاد في محاولات متكررة لإجبارهم على التخلي عن حريتهم أولًا، وعن تمسّكهم بلبنان التعددي ثانيًا، وعن مبدأ التقاسمية في النظام ثالثًا. وهو المبدأ الذي جعل من لبنان “وطن الرسالة”، كما أكّد البابا يوحنا بولس الثاني. وأقوى دليل على أن تمسّكهم بالتعددية ليس انغلاقًا، هو انتشارهم على امتداد لبنان، شركاء أصيلين مع شركاء أصيلين من مختلف الطوائف اللبنانية.
وأسهم الموارنة في بناء مجتمع متطوّر، منفتح على محيطه، متواصل مع الغرب، ومتمسّك بجغرافيته وتاريخه في آن. وكان لهذا الدور النهضوي أثرٌ أساسي في تميّز لبنان في محيطه، وجعله حالة استثنائية في هذه المنطقة. وبفعل نضال طويل، تُوِّج هذا المسار بقيام دولة تعددية فريدة في تركيبتها المجتمعية، منفتحة شرقًا وغربًا، حديثة في نظامها، ومتقدّمة في مفاهيمها. فكان لبنان من الدول القليلة في المنطقة التي عرفت حرية الإعلام والصحافة، وحرية السياسة، وتداول السلطة، والنظام الدستوري، والاقتصاد الحر. وهي مبادئ باتت اليوم بديهيات عالمية، لكن الموارنة كانوا سبّاقين إليها في هذه المنطقة، سابقين عصرهم في السعي إلى الازدهار والتطوّر والاستثمار.
غير أن المسيرة، ككل التجارب التاريخية، لم تخلُ من شوائب، ولن تخلو مستقبلًا. فقد وُجد موارنة بالاسم فقط، دجّالون في الممارسة، اعتنقوا نقيض المارونية، وتحالفوا مع أنظمة قمعية ومحاور موت، وربطوا لبنان بمشاريع خارجية لا تمتّ إلى ثقافة الحرية ولا إلى فلسفة الحياة بصلة. هؤلاء لا يمثّلون المارونية، لأن جوهرها هو الحرية، والسيادة، والدولة الديمقراطية التعددية، وثقافة الاعتراف بالآخر.
ويأتي عيد مار مارون هذا العام مختلفًا عن السنوات السابقة، في لحظة أفول مشروع دمّر لبنان، واستجلب له الحروب والموت، وألحقه بمحور ممانعة كلّف اللبنانيين أثمانًا باهظة كان البلد بغنى عنها منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. ومع كل الخسائر، صمدت مدرسة الحرية والسيادة والاستقلال، وها هي تفتح الباب أمام مرحلة جديدة.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة إعادة بناء الدولة: إعادة بناء ما تهدّم من مؤسسات، وما تآكل من ثقة، وما ضاع من رؤية. مرحلة تفرض على الجميع الاقتناع بأهمية لبنان التعددي، الحضاري، المتنوّع، الحرّ والحديث، القادر باقتصاده وشعبه وكوادره على النهوض من جديد.
في عيد مار مارون، تبقى الرسالة واحدة وواضحة: لا مستقبل للبنان إلا كمشروع حياة، ولا دولة إلا دولة حرية وتعددية وشراكة، ولا هوية إلا هوية تعترف بالآخر وتحمي الجميع.



