القوات اللبنانية: لا انتصار في الخراب… والحقيقة تُسقط الشعارات

صدر عن جهاز الإعلام و التواصل في القوات اللبنانية اليوم:
دخل قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ اعتبارًا من منتصف ليل أمس، فاتحًا الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأساسي: اختبار الدولة اللبنانية. إنها لحظة مفصلية لا تحتمل الالتباس، تُقاس فيها جدّية الدولة بقدرتها على استعادة دورها الطبيعي، وتُختبر فيها إرادتها السياسية على ثلاثة مستويات مترابطة.
⁃ المستوى الأول من طبيعة سيادية: فالمطلوب من الدولة، خلال الأيام العشرة الأولى من الهدنة، وابتداءً من اللحظة الأولى لسريانها، أن تُثبت قدرتها الفعلية على بسط سلطتها على كامل أراضيها، تنفيذًا لدستورها وقراراتها، ومنع أي أعمال عسكرية تنطلق من الداخل اللبناني. وهذا ما تنصّ عليه صراحة مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل، التي أعادت التأكيد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة، التي وحدها تحتكر السلاح وتمنع أي جهة من تنفيذ عمليات أو هجمات. كما أعادت تعداد القوى الشرعية المخوّلة حمل السلاح، في استنساخ واضح لما ورد في المذكرة السابقة. وعليه، فإن أي إخلال بهذا الالتزام يُفقد الهدنة معناها ويعيد لبنان إلى مربع الفوضى والانكشاف.
⁃ المستوى الثاني من طبيعة ديبلوماسية: فإذا كان نص مذكرة التفاهم لا يختلف سياديًا عمّا سبقه، فإن النص الجديد يركّز على السلام بصورة أوسع وأشمل، ويؤكد أن “لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب ويلتزمان الانخراط في مفاوضات مباشرة”. وهذا يعكس توجّهًا أميركيًا لاختبار الإرادة السياسية للحكومة في الذهاب قدمًا نحو مسار تفاوضي جدّي مع إسرائيل يهدف إلى الوصول إلى اتفاق شامل يؤمّن الأمن والاستقرار والسلام الدائم. ومن الضروري التذكير، في كل مرة يُطرح فيها موضوع السلام، بأن هذا المسار لم يكن ليُطرح لولا الحرب التي أعلنها حزب إيران في لبنان، ما جعل الجلوس وجهًا لوجه نتيجة مباشرة لخيارات هذا الحزب العسكرية.
⁃ المستوى الثالث من طبيعة زمنية: إذ إن الحكومة في سباق مع الوقت، باعتبار أن وقف إطلاق النار محدّد بعشرة أيام فقط. وهذه المهلة القصيرة ستشكّل مؤشرًا واضحًا إلى مدى قدرة الدولة على استثمار الفرصة الأميركية المتاحة، خصوصًا أن هذا الوقف لإطلاق النار جاء نتيجة ضغط أميركي على إسرائيل لمنح لبنان فرصة لإثبات قدرته على إدارة نفسه بنفسه. لكنها فرصة مشروطة ومحدودة زمنًا، وأي فشل في استثمارها سيؤدي حتمًا إلى سقوط الهدنة وعودة التصعيد، ولا سيما أن إسرائيل احتفظت، بموجب مذكرة التفاهم، بحق اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات دفاعية في أي وقت، فضلًا عن أن قرار وقف الحرب لم يكن خيارها الأساسي لولا هذا الضغط الأميركي، في ظل شبه إجماع إسرائيلي داخلي على استمرار المواجهة مع الحزب الإيراني.
من هنا، فإن الأيام العشرة الأولى ليست مجرد فترة اختبار عادية، بل هي لحظة تقرير مصير: إما أن تُثبت الدولة أنها على قدر المسؤولية، فتمضي بلا تردد نحو تثبيت سيادتها والانخراط في مسار المفاوضات، وإما أن تتعثر، فتُفتح الأبواب مجددًا أمام دوامة الحرب، مع ما يعنيه ذلك من استمرار التمركز الإسرائيلي العسكري في النقاط الحالية وربما توسّعه.
وفي الختام، كلمة لمن يروّجون، كالعادة، لفكرة “الانتصار”: هؤلاء ليسوا فقط مهزومين، بدليل العمق الذي وصلت إليه إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، بل يتحمّلون أيضًا مسؤولية كل ما حصل من موت ودمار وتهجير منذ إعلانهم الحرب في 8 تشرين الأول 2023. وخطابهم ليس سوى دليل إضافي على حجم انفصالهم عن الواقع. ومن هنا، فإن محاسبة كل من تورّط في جرّ البلاد إلى هذه الكارثة، من مطلقي القرار في لبنان إلى صانعيه في إيران، تبقى ضرورة وطنية لا مفرّ منها.
يبقى أن التحدّي الأساسي اليوم أمام الحكومة هو استعادة ثقة اللبنانيين أولًا، وثقة المجتمع الدولي ثانيًا، عبر إثبات أنها دولة فعلية قادرة على تنفيذ قراراتها. وهي أمام فرصة تاريخية لتأكيد أنها لم تعد دولة فاشلة، وأن ما اتُخذ من قرارات سيُطبّق ابتداءً من الآن.



