مطار القليعات فرصة وطنية لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية وسلطة الدولة

قبل الحديث عن المطار وإعادة تشغيله لعله من الأفضل الغوص قليلًا لنتعرف عليه وهو بالأساس قاعدة جوية في القليعات، هو منشأة جوية تقع في منطقة عكار شمال لبنان، ويُصنَّف أساساً كقاعدة عسكرية تابعة للقوات الجوية اللبنانية، مع إمكانات سابقة ومقترحة للاستخدام المدني. تعود جذور المطار إلى الحقبة التي أعقبت الانتداب الفرنسي في لبنان، حيث تم تطوير عدد من المنشآت الجوية في شمال لبنان لأغراض عسكرية واستراتيجية. ومع مرور الوقت، أصبح الموقع واحداً من أهم القواعد الجوية في لبنان من حيث المساحة والموقع الجغرافي القريب من الحدود الشمالية.
منذ تسعينيات القرن الماضي، طُرحت عدة مشاريع لإعادة تأهيل المطار وتشغيله مدنياً، بهدف تخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي وتنشيط الاقتصاد في شمال لبنان، هذه المقترحات ركزت على تحويله إلى:
أ- مطار مدني إقليمي
مركز للشحن الجوي (Cargo) ب-
ج- منصة لدعم التنمية في عكار والشمال
لكن هذه المشاريع بقيت متعثرة لأسباب مالية، إدارية، وبنية تحتية، إضافة إلى تباينات سياسية حول أولويات الاستثمار في قطاع النقل الجوي، ولربما أيضاً لعدم وجود تأثير مباشر لحزب الله في المطار من الناحية الأمنية. لاحقاً، سُمّي المطار باسم الرئيس اللبناني الشهيد رينيه معوض تكريماً له بعد انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1989 واغتياله في نفس العام، ليصبح الاسم الرسمي مطار رينيه معوض.
يشكّل إعادة تشغيله مدنيًا أكثر من مجرد مشروع نقل جوي جديد في شمال لبنان، فهو مشروع ذو أبعاد سياسية واقتصادية وإنمائية قادرة على إحداث تحول استراتيجي في منطقة عانت لعقود من التهميش وضعف الاستثمار.
من الناحية السياسية، يعبّر تفعيل المطار عن توجه نحو تحقيق قدر أكبر من التوازن الإنمائي بين المناطق اللبنانية، من خلال نقل جزء من الثقل الاقتصادي والخدماتي خارج العاصمة بيروت. كما يساهم في تعزيز حضور الدولة في الشمال ويؤكد أن التنمية المتوازنة ليست شعاراً سياسياً فحسب، بل خياراً عملياً ينعكس على حياة المواطنين وفرصهم الاقتصادية.
أما من الناحية السياسية والأمنية، تكتسب إعادة تشغيل مطار القليعات أهمية إضافية لكونه يبعث برسالة ثقة إلى المستثمرين وشركات الطيران والدول الشريكة بأن إدارة المرافق العامة اللبنانية يجب أن تبقى خاضعة حصراً لسلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية وهذه هي النقطة الأهم. في هذا السياق، يرى كثيرون أن الموقع الجغرافي للمطار في أقصى الشمال اللبناني يوفر ظروفاً مختلفة عن تلك التي أحاطت بمطار رفيق الحريري الدولي خلال مراحل سابقة، حيث أثيرت على مدى سنوات نقاشات حول حجم تأثير القوى السياسية والأمنية غير الرسمية على محيطه وبيئة عمله وخاصة ميليشيا حزب الله. أما مطار القليعات، فيُنظر إليه بوصفه فرصة لترسيخ نموذج إدارة مدنية ومؤسساتية شفافة، تخضع بالكامل للقوانين اللبنانية ولإشراف الدولة، بما يعزز الثقة الدولية بقطاع الطيران اللبناني ويشجع على استقطاب الاستثمارات وحركة النقل الجوي دون أي التباسات قد تؤثر على سمعته أو أدائه.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن تشغيل المطار من شأنه أن يفتح آفاقاً واسعة أمام الاستثمار المحلي والخارجي، وأن يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والسياحة والتجارة والفندقة. كذلك يمكن أن يتحول إلى منصة حيوية لتصدير المنتجات الزراعية والصناعية التي تشتهر بها مناطق الشمال وعكار، ما ينعكس إيجاباً على الدورة الاقتصادية الوطنية.
وعلى المستوى الإنمائي، فإن نجاح المشروع يتطلب رؤية شاملة تتجاوز حدود المطار نفسه. فالمطار لا يمكن أن يعمل بمعزل عن شبكة طرق حديثة، ومناطق تجارية وخدماتية، واستثمارات سياحية وصناعية وعقارية تواكب النمو المتوقع. من هنا تبرز أهمية أن تكون هناك خطة متكاملة تشارك فيها الدولة والقطاع الخاص والبلديات والمؤسسات المعنية لضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذا المشروع. في هذا الإطار، تقع مسؤولية كبيرة على المطورين العقاريين والمستثمرين لاستباق المرحلة المقبلة عبر إطلاق مشاريع سكنية وتجارية وسياحية حديثة تستجيب للطلب المتوقع وتواكب التحول الاقتصادي المرتقب. فالمطارات حول العالم غالباً ما تتحول إلى محركات للنمو العمراني، وتستقطب حولها مناطق أعمال واستثمارات ومجمعات حديثة تسهم في رفع قيمة الأراضي وتحسين البنية التحتية والخدمات.
إن إعادة تشغيل مطار القليعات يجب أن يكون بداية لمسار وطني أوسع يتضمن مشاريع استراتيجية أخرى تعيد إلى لبنان دوره الاقتصادي ومكانته الإقليمية. فلبنان يمتلك المقومات البشرية والثقافية والجغرافية التي تؤهله ليكون مركزاً للاستثمار والسياحة والخدمات في شرق المتوسط، لكنه يحتاج إلى رؤية تنموية طويلة الأمد وإرادة سياسية قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس. إن صورة لبنان الحالية، بما تحمله من تحديات وأزمات، ليست الصورة التي تعكس حقيقة قدراته وإمكاناته. ولذلك فإن نجاح مشاريع كبرى من حجم مطار القليعات قد يشكل بداية فعلية لتغيير هذه الصورة، وإبراز الوجه الحضاري والعمراني والاقتصادي الحقيقي للبنان، ليعود مجدداً مساحة ازدهار وإبداع واستقرار، ونقطة جذب للاستثمارات والتنمية في المنطقة.
جوزاف س. أمين
المسؤول الإعلامي
حزب حرّاس الأرز – حركة القومية اللبنانية



