أخبار لبنان

جورج كلاس: أخطر ما يهدّد مفاوضات النار الباردة ليس نقص الحقيقة… بل فائض التأويل

كتب الوزير السابق جورج كلاس:

السؤال المحوري في تقويم اداء الاعلام يتركز حول مَنْ يتحمل مسؤولية تضييع الحقيقة في مفاوضات النار الباردة ؟ فليس الخطر في زمن التفاوض النزاعي ان يمارس الإعلام الموضوعية ويقدم المعلومة كخبر جاف وصلب ، بل ان تتسبب المادة الخبرية في المراحل السياسية الحسّاسة بإنتاج فائض من التأويلات تكون اكثر أذى من التضليل وتلوين الحقائق لتضيعها وتشويهها، فلا يعود الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الوقائع ، بل يتحوّل إلى عنصرٍ مؤثّر في تكوين المناخات النفسية والسياسية المحيطة بالحدث بكل جزئياته . وحين يتعلّق الأمر بمفاوضات غير مباشرة كما الحال بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، يجب ان تكون المواد الإعلامية عنصر توازن بين حقّ الجمهور في المعرفة وواجب الدولة في حماية المسار التفاوضي وتحصينه ضد التهويل والإرباك أو الاستثمار بالتأويل، ما يعرض جلسات التفاوض إلى نكسات ويوقعها في أفخاخ غير محسوبة . في هذا الاطار تبرز الحاجة إلى إتباع خصوصية الإعلام الجاف الذي بتقصد نقل الوقائع بأسلوب هادئ ولغة اختزالية بعيدة عن الانفعال والمبالغة والإدعائية ، مقدما الدقة على الجذب فينأى عن صناعة التحليل التخيلي ، لانه لا يُراهن على إفتعال توترات ، بل يسعى إلى تعزيز الوعي وتقديم النفع وضبط إيقاع الانفعالات، التي غالباً ما ترافق الظروف الساخنة خصوصاً في القضايا السيادية ، مع وجوب الالتزام بإحترافية الحرص على مراعاة التوازنات في المفاوضات القلقة. والمشكلية الأكثر دقة في مواكبة المفاوضات ليست في نضب المعلومات، بل هي في فائض التأويل وإدعائية التحليل . فمتى تراجعت نوعية المعلومات الدقيقة ، تقدمت التحليلات وشاعت المجتزآت والقراءات المتعاكسة ، وتحول الإعلام إلى منابر لإنتاج الانطباعات أكثر منه وسيلة لصياغة المعارف، فيكثر التضخيم، ويصبح ألصمت قابلاً للتفسير، وتتعرض كل صورة أو تسريبة لأن تكون مساحة مفتوحة للتأويل الكثيرالضجيج والمفتقر إلى الصدقية.
في هذا الجو المتوتر تبرز فعالية الإعلام الجاف كممارسة مهنية وأخلاقية قادرة على ضبط مسار تتبع الأحداث ونقلها كمعلومة موثوقة ونظيفة انطلاقا من انه إعلام يتعامل مع حالات التفاوض بمسؤولية بعيداً عن نمط الاستعراض والمبالغة وتضخيم التسريبات والكولسة التي تتحوّل إلى كابوس للمتحاورين وتعرقل مسار المفاوضات .
هذا النمط الإعلامي يتعامل مع الخبر بوصفه معلومة تحتاج إلى تحقق وتدقيق لا إلى إحداث تأثير ومحاولة استثمار، فيقدم التفسير العقلاني على التعبئة التحريضية انطلاقاً من مسؤولية تحصين مراحل التفاوض، من حيث هو وعي وطني .
وفي الحالة اللبنانية، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً، بسبب الطبيعة التعددية للمجتمع والانقسام السياسي الحاد حول مقاربة العلاقة مع إسرائيل، وحدود التفاوض، ودور الولايات المتحدة، اضافة إلى موقع لبنان في معادلات المنطقة ومأزقية جغرافيته السياسية . فالإعلام الذي يواكب هذه المرحلة قد يتحوّل بسهولة إلى امتدادٍ للصراع الداخلي، إذا فقد توازنه المهني، أو انزلق إلى لغة التحريض والتخوين أو والتأويل السياسي وتسويق نتائج قبل لا ترقى إلى مستوى الصواب .
كما أنّ فائض التأويل قد يدفع بعض وسائل الإعلام إلى استبدال الوقائع بالسيناريوهات والتأويلات ، وإلى تحويل التقديرات الشخصية إلى حقائق إعلامية . في هذه الحال، لا يعود دورر الإعلام مراقباً للمشهد ، بل يصبح جزءاً من صناعة الالتباس فيه . وهذا ما يفرض مسؤولية مضاعفة على المؤسسات الإعلامية وعلى المحلّلين والخبراء الاستراتيجيين ، لجهة الانتباه إلى دقّة المصطلحات، وحساسية التوقيت، وانعكاسات اللغة المستخدمة على الاستقرار الداخلي وعلى صورة الدولة التفاوضية كما على المستوى المفهومي للغة الخطاب المستخدمة .
الإعلام الجاف، بهذا المعنى، ليس إعلاماً بارداً أو فاقداً للحيوية، بل هو إعلام يحترم عقل الجمهور، ويعرف أنّ بعض اللحظات الوطنية تحتاج إلى هدوء المعرفة أكثر مما تحتاج إلى صخب العناوين. فهو إعلام يرفض تحويل المفاوضات إلى مادة للانفعال الجماعي، أو إلى سوقٍ للمزايدات السياسية، لأنّ أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات في المراحل المأزقية الدقيقة ليس نقص الحقيقة فقط، بل فائض التأويل الذي يزيد من حالات الإبهام ويعرض ماجريات التفاوض إلى خطر التعثر فالتعليق ووقف الجلسات، مع ما قد يرافق ذلك من تولد ازمات جديدة ونزاعات تزيد الأمور تعقيدا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى