زيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض: نجاح بالشكـل والمضمـون و”هدية” تاريخية للبنان

بقلم: شانتال خليل
لم تكن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأخيرة إلى البيت الأبيض مجرد محطة ديبلوماسية عابرة في جدول أعمال واشنطن المكثف، بل شكلت اختراقاً سياسياً وإعلامياً بارزاً يعيد رسم ملامح العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة. والواقع أن قراءة تفاصيل هذه الزيارة، بشركياتها ومضامينها، تؤكد أنها حققت مكاسب استثنائية لصالح لبنان على أكثر من صعيد.
”بروتوكول الاستقبال”: دلالات الشكل والرسائل المضمرة
في عالم السياسة والديبلوماسية، “الشكل هو المضمون”. ومن يتابع أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التعامل مع زعماء العالم—حيث شهدنا إحراجات علنية للعديد من القادة والضيوف، وصولاً إلى مواقف ضاغطة كما حدث مع الرئيس الأوكراني وغيره—يلحظ فوراً الاستثناء الذي شكله الاستقبال الرئاسي للرئيس عون.
لم ينتظر ترامب ضيفه اللبناني في أروقة البيت الأبيض الداخلية ليتركه لبروتوكولات الاستقبال التقليدية عبر الموظفين، بل حرص على استقباله شخصياً من الباب الخارجي. هذه اللفتة البروتوكولية، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل رسالة تقدير واضحة وشخصية، وتؤكد رغبة الإدارة الأميركية في إعطاء الزيارة طابعاً متكافئاً ومحترماً بعيداً عن أسلوب “الضغط المباشر” أو الإحراج الإعلامي.
ولم تقف الرسائل عند حدود البروتوكول، بل تتعداه إلى التصريحات الإيجابية اللافتة؛ حيث لم يتردد ترامب في وصف الرئيس عون بأنه “قد يكون من أقوى القادة وأكثرهم تأثيراً في الشرق الأوسط”. وهو كلام يعكس اعترافاً أميركياً بمحورية الدور اللبناني وبشخصية الرئيس عون القدرة على إدارة التوازنات المعقدة.
الانفتاح على “عين التينة” وترطيب الأجواء السياسية
في المضمون السياسي، لم تخلو المحادثات من إشارات أبعد من الحسابات الضيقة. فقد كان لافتاً تطرق الحديث إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث نقل عن ترامب قوله: “عندما يرانا نسير في الاتجاه الصحيح قد ينضم إلينا.. إنه رجل جيد (He is a good man)”.
هذه الإشارة، وإن جاءت بأسلوب ترامب المباشر، تعبر عن مرونة أميركية مستجدة وتفتح الباب أمام ترطيب الأجواء مع المكونات السياسية اللبنانية الأساسية، مما يعزز فرص الاستقرار الداخلي ويمنح الديبلوماسية اللبنانية مساحة أكبر للمناورة والاستفادة من هذا المناخ الإيجابي.
الطيران المباشر: “هدية” واشنطن واستعادة التواصل التاريخي
أمّا المفاجأة الأبرز والمكسب الملموس الأول لهذه الزيارة، فكانت في الخطوة الاقتصادية-السياسية ذات البعد الرمزي الكبير: إعادة فتح خط الطيران المباشر بين الولايات المتحدة ولبنان.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، عانى لبنان من حظر وقيود على الرحلات المباشرة لأسباب أمنية وسياسية طال أمدها. إن قرار إعادة تشغيل هذا الخط اليوم لا يمثل مجرد تسهيل لحركة السفر والأنشطة التجارية للمغتربين اللبنانيين فحسب، بل يُعد بمثابة “هدية” ثقيلة الوزن يقدمها البيت الأبيض للبنان. وهو إقرار أميركي صريح باستتباب الأمن واستعادة الثقة بالمؤسسات اللبنانية، فضلاً عن كونه شريان حياة جديد للاقتصاد اللبناني ولعلاقاته بالمغتربين في قارة أميركا الشمالية.
خلاصة الزيارة
بين كسر الجليد البروتوكولي والتصريحات الداعمة للقيادة اللبنانية، وبين المكاسب العملية وعلى رأسها قرار الطيران المباشر، يمكن القول بثقة إن زيارة الرئيس عون إلى واشنطن خرجت برصيد إيجابي كبير. لقد أثبتت الزيارة أن لبنان، حين يُدار بديبلوماسية متوازنة وثابتة، قادرٌ على استقطاب الدعم الدولي وحماية مصالحه العليا دون التنازل عن كرامته السياسية.



