مقالات

هل سنصبح نواطير على وطنٍ هاجر أبناؤه؟

بقلم الأب طوني بو عساف…

 

كل يوم نذهب إلى المطار لنودّع واحدًا من أولادنا. لا نودّعه إلى الجامعة… ولا إلى رحلة عمل مؤقتة… ولا إلى عطلة. نودّعه إلى الغربة. نلوّح له، نبتلع دموعنا، ونقول له: «الله يوفقك»… ثم نعود إلى البيت، فنجد غرفته كما تركها، سريره مرتبًا، صوره معلّقة، وأغراضه تنتظر عودته التي لا نعرف إن كانت ستأتي.

وهكذا، بيتًا بعد بيت، وقرية بعد قرية، وعائلة بعد عائلة…

لبنان يفرغ من شبابه. فمن سيبقى؟ لمن ستكون البيوت التي بنيناها؟ لمن ستكون الأرزاق التي تعبنا في جمعها؟ لمن ستكون الأرض؟ لمن ستكون القرى؟ لمن ستكون المدارس والجامعات؟ ولمن ستكون كنائسنا وأجراسنا وساحاتنا، حين يصبح جيل كامل من أبنائنا خارج الوطن؟

هل أصبح دورنا أن نحرس بيوت الذين رحلوا؟ هل بتنا نواطير على وطنٍ هاجر أبناؤه؟

نفتح بيوتهم في الأعياد، نزيل الغبار عن غرفهم، نسقي أشجارهم، نحرس أرزاقهم… وننتظر أن يعودوا.

لكن ماذا لو لم يعودوا؟

هنا المصيبة.

بينما أولادنا يحزمون حقائبهم، هناك من لا يزال يحزم اللبنانيين في خانات:

طائفة، حزب، منطقة، زعيم، فريق…

يتقاتلون على لبنان،

بينما لبنان نفسه يهرب من بين أيديهم.

 

أيها المسؤولون، اسمعوا جيدًا:

الشاب الذي يغادر اليوم ليس مجرد مهاجر. إنه طبيب لم يعالجنا، ومهندس لم يبنِ مدننا، وأستاذ لم يعلّم أبناءنا، وربّ عائلة لم ينجب أطفاله في أرضه.

إنه مستقبل لبنان الذي أقلعت به الطائرة.

لا تخدعوا أنفسكم.

 

قد تبقى الأبنية. قد تبقى الطرقات. قد تبقى المصارف والجامعات والمستشفيات والكنائس والمساجد.

لكن الوطن من دون شبابه يتحول إلى عقار… لا إلى وطن.

 

كفى انقسامات. كفى معارك خاسرة. كفى انتصارات وهمية.

كفى تحويل كل قضية إلى مناسبة جديدة للتخوين والتعبئة وشدّ العصب.

 

هناك معركة واحدة تستحق أن نتوحّد حولها:

معركة إبقاء أولادنا في لبنان.

 

لأن أخطر هجرة ليست هجرة الأفراد… بل هجرة الجيل. وحين يهاجر الجيل، لا تخسر الدولة موظفين فقط، ولا الاقتصاد أيدٍ عاملة فقط…

يخسر الوطن ذاكرته، واستمراريته، وصوته، ووجهه.

 

لقد تأخرنا كثيرًا.

دقّوا ناقوس الخطر!

فقد يأتي يوم لا نجد فيه من نودّعه في المطار… لأن الجميع يكون قد رحل.

وعندها لن يبقى لنا إلا أن نغلق الأبواب، نطفئ الأنوار،

ونجلس نواطير على البيوت…

في وطنٍ كان لنا، ثم لم يعد فيه أحد…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى