من يعيّن محافظ بيروت… مجلس الوزراء أم غرف النفوذ؟

لم يبدأ تعيين محافظ جديد لبيروت بعد، لكن بازار الأسماء فُتح باكراً، ومعه عادت الطبقة السياسية إلى عادتها القديمة: توزيع المواقع قبل تحديد المعايير، وحشد التأييد للمرشحين قبل سؤالهم عن برامجهم، والتعامل مع العاصمة كأنها حصة قابلة للتفاوض بين القصور والمرجعيات والأحزاب.
مرة جديدة، يبدو أن الحديث عن الإصلاح يسير في اتجاه، فيما تسير آليات التعيين في اتجاه آخر. فبدلاً من إعلان شروط واضحة واختيار الأفضل على أساس الكفاءة والنزاهة والاستقلالية، اندفعت القوى السياسية إلى رفع أسماء مرشحيها ومحاولة تأمين الغطاء اللازم لكل منهم.
قانونياً، لا يملك حزب أو مرجعية دينية أو شخصية سياسية حق تعيين محافظ بيروت. القرار يعود إلى مجلس الوزراء وفق الأصول. أما عملياً، فتجري معركة النفوذ قبل وصول الملف إلى طاولة الحكومة، ليصبح دور مجلس الوزراء مهدداً بالانحسار إلى مجرد المصادقة على تسوية جرى إعدادها في الغرف المغلقة.
في مقدمة الأسماء المتداولة يبرز نقولا منصور، الذي يحظى، وفق أوساط متابعة، بقبول لدى مستشار رئيس الجمهورية أندريه رحال. لكن اسم منصور لا يتردد فقط داخل دوائر قريبة من بعبدا، إذ تتحدث معطيات سياسية عن وجود جهات قريبة من “حزب الله” تفضّل وصوله إلى محافظة بيروت.
وفي خلفية هذه الاتصالات، يرد اسم وفيق صفا، من دون صدور موقف رسمي يؤكد اضطلاعه بدور في عملية التسويق. وتربط بعض الأوساط بين منصور وقنوات تواصل كانت قائمة مع صفا في مراحل سابقة، كما تقول إن هذه القنوات كانت تُستخدم أحياناً لترتيب العلاقة وتقريب وجهات النظر عند حصول تباينات مع رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل.
هذه المعطيات تبقى معلومات سياسية متداولة، ولا تشكل دليلاً على ارتكاب مخالفة أو على وجود تبعية من أي نوع. لكن منصباً بحجم محافظة بيروت لا يحتمل الغموض، ولا يجوز أن يصل شاغله محاطاً بعلامات استفهام حول القوى التي دعمته أو الأبواب التي فتحت أمامه.
فإذا كان العهد يريد فعلاً تطبيق الإصلاح، عليه أن يشرح للبنانيين لماذا يُطرح هذا الاسم، وما المعايير التي تمنحه الأفضلية، وما طبيعة علاقته بالجهات التي تتحرك لمصلحته. أما ترك الأمور للتسريبات والوساطات، فلا يخدم المرشح ولا يحمي صورة العهد.
وليس تفصيلاً أن يرد اسم وفيق صفا في معركة تتعلق بإدارة العاصمة. فاسمه ارتبط بالجدل الذي رافق فعالية صخرة الروشة، بعدما اعتبرت قوى سياسية وحكومية أن ما حصل يومها شكل تحدياً لقرار رسمي. ولذلك، فإن ثبوت اضطلاعه بدور في تسويق أي مرشح سيمنح التعيين دلالة سياسية تتجاوز شخص المرشح وكفاءته.
السؤال هنا واضح: هل يُعقل أن يتحول من ارتبط اسمه بسجال حول تحدي قرار الدولة إلى طرف مؤثر في اختيار أحد كبار مسؤوليها الإداريين؟ وإذا وصل مرشح نتيجة دعم من هذا النوع، فكيف يمكن إقناع الرأي العام بأن ما حصل كان تطبيقاً لآلية إصلاحية مستقلة؟
لا يعني ذلك إصدار حكم مسبق على منصور أو الانتقاص من مؤهلاته. المشكلة ليست في حقه بالترشح، بل في الطريق التي قد توصله. فإذا وصل عبر منافسة شفافة، يكون اختياره طبيعياً ومشروعاً. أما إذا وصل نتيجة تفاهمات غير معلنة، فسيُقرأ تعيينه باعتباره انتصاراً للجهات التي سوّقته، لا انتصاراً للكفاءة.
في المقابل، يبرز اسم المحامي عصام الخوري، الذي يحظى، وفق الأوساط الداعمة له، بتأييد متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران إلياس عوده، ورئيس الحكومة نواف سلام، ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري.
هذا التقاطع يبدو أكثر منطقية من الناحية السياسية، لأنه يجمع بين مرجعية أرثوذكسية بيروتية ورئاسة الحكومة ونائب رئيس مجلس الوزراء، بدلاً من أن يكون نتاج دعم جهة حزبية واحدة. لكنه لا يمنح الخوري حصانة من التدقيق، ولا يحوّل التأييد السياسي والديني إلى تفويض مطلق.
فالمطران عوده يملك موقعاً معنوياً أساسياً داخل الطائفة الأرثوذكسية وفي العاصمة، لكنه لا يملك قانونياً حق تعيين المحافظ. كما أن لرئيس الحكومة دوراً وازناً في التوافق على من يدير شؤون العاصمة، من دون أن يعني ذلك احتكار التسمية. القرار النهائي يجب أن يبقى في مجلس الوزراء، لا أن يتحول إلى تسوية بين المرجعيات.
إلا أن طرح الخوري فتح بدوره معركة أخرى داخل الساحة الأرثوذكسية. إذ تقرأ بعض الأوساط موقف نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب بوصفه محاولة لمنع طارق متري من تكريس نفسه مرجعية سياسية أرثوذكسية أساسية، وترى أنه يميل إلى دعم منصور في مواجهة الخيار الذي يؤيده متري.
إذا صحت هذه القراءة، فهذا يعني أن الكفاءة ليست وحدها ما يحرك الاعتراضات والتأييدات، بل هناك صراع على سؤال مختلف تماماً: من هو المرجع الأرثوذكسي الأقوى، ومن يملك القدرة على تسمية المحافظ؟
هكذا تُختطف الوظيفة العامة من مضمونها. فبدلاً من البحث عن الشخصية الأقدر على إدارة بيروت، تتحول المعركة إلى مواجهة بين طموحات شخصية وحسابات نفوذ. يصبح المرشح مجرد ورقة في صراع أكبر منه، وتصبح العاصمة الساحة التي تُصفّى فوقها حسابات المرجعيات.
وعلى خط ثالث، يبرز اسم إيلي معلوف، الذي يعمل نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي على طرحه، وسط حديث عن سعيه إلى تأمين دعم رئيس مجلس النواب نبيه بري لهذا الخيار.
ولا يلغي الدعم السياسي مؤهلات أي مرشح، لكنه يكشف مرة أخرى طبيعة الآلية المستخدمة. فالطريق إلى محافظة بيروت لا يبدو حتى الآن مفتوحاً أمام منافسة إدارية نزيهة، بل أمام من يستطيع جمع عدد أكبر من الرعاة السياسيين.
منصور مدعوم من دوائر قريبة من القصر، وسط حديث عن تأييد جهات قريبة من “حزب الله”. الخوري يستند إلى تقاطع بين عوده وسلام ومتري. معلوف يُطرح عبر الفرزلي مع محاولة استقطاب دعم بري. أما الدولة، فلا تزال غائبة عن معركة يفترض أنها معركتها وحدها.
وهنا يقع الاختبار الحقيقي للعهد. لا يكفي أن يعلن رئيس الجمهورية التزامه الإصلاح، بل عليه أن يثبت أن عهده لن يعيد إنتاج أساليب التعيين القديمة. فالإصلاح لا يتحقق باستبدال الأسماء مع الإبقاء على الآليات نفسها، ولا بإعادة تدوير التوازنات تحت عناوين جديدة.
إذا كانت هناك آلية جدية، فلتُنشر معاييرها. وإذا كانت الكفاءة هي الأساس، فلتُعرض السير المهنية للمرشحين وبرامجهم لإدارة العاصمة. وإذا كانت الاستقلالية شرطاً، فلتُكشف بوضوح الجهات التي تدعم كل اسم، وليكن التعيين نتيجة مقارنة شفافة لا نتيجة صفقة مكتملة قبل جلسة الحكومة.
وترى أوساط متابعة أن التقاطع القائم حول عصام الخوري يجعله الخيار الأكثر قابلية للتوافق والأقل التصاقاً بالمحاور الحزبية التقليدية. لكن ذلك لا يشكل صك براءة مسبقاً، ولا يعفيه من الخضوع للمعايير نفسها التي يجب أن تطبق على منصور ومعلوف وأي مرشح آخر.
بيروت ليست جائزة ترضية، ومحافظها ليس حصة تُمنح لمن يرفع صوته أكثر أو يملك شبكة نفوذ أوسع. العاصمة تحتاج إلى مسؤول مستقل يحمي المال العام، ويدير مؤسساتها وفق القانون، ويتعامل مع مجلسها البلدي بعيداً من الابتزاز السياسي والحسابات الحزبية.
في النهاية، القرار بسيط في مضمونه وإن حاولت القوى السياسية تعقيده: إما أن يعيّن مجلس الوزراء محافظاً لبيروت باسم الدولة، وإما أن يضع ختمه على صفقة صاغتها غرف النفوذ.
وعندها لن يكون السؤال من أصبح محافظاً لبيروت، بل من أصبح الحاكم الفعلي لقرارها.



