القوات اللبنانية: دعوة الرئيس إلى التعقّل أصابت “الحزب” في الصميم

جاء في موقف اليوم لجهاز الاعلام و التواصل في القوات اللبنانية:
أكثر ما أزعج “الحزب” في كلام رئيس الجمهورية جوزيف عون، في الذكرى الأولى لانتخابه، لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل دعوته الصريحة إلى التعقُّل. هذه الدعوة تحديدًا هي التي جعلت كلام الشيخ نعيم قاسم مركّزًا وموجّهًا ضدّه، سواء في إشارته إلى “الأعقل والعاقل”، أو في قوله إن “ليس من العقل أن نعطي إسرائيل وأن نقدّم تنازلات بلا ثمن”، أو في تأكيده أن “العقل هو أن نعرف كيف نحفظ بلدنا، ونحفظ قوتنا، ونتصرّف بطريقة تؤدي إلى أن نكون معًا، وأن نتعاون”.
ومن الواضح أن رئيس الجمهورية أصاب هذا الفريق في الصميم، ليس فقط بمجمل مواقفه، بل بدعوته إلى التعقُّل تحديدًا، وذلك لثلاثة أسباب أساسية:
– السبب الأول، لأن الدعوة إلى التعقُّل تعني حثّه على استخدام العقل لا الغريزة، والكفّ عن المكابرة على واقع تغيّر، والتوقّف عن الإصرار على خيارات ثبت فشلها. وهي دعوة إلى قراءة موازين القوى والظروف، والانتقال من الخطاب الأيديولوجي التعبوي إلى التفكير الرصين والمسؤول، وتحكيم العقل بعيدًا من الأوهام، وكبح الاندفاع نحو سياسات انتحارية يدفع أثمانها البلد والناس.
– السبب الثاني، لأنه كان يروّج، داخل بيئته ولدى اللبنانيين، بأن رئيس الجمهورية متفهّم لبقاء سلاحه. كما حاول، لفترة طويلة، التمييز بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والاستفراد بوزير الخارجية، وتصويره كأنه يغرّد خارج سقف الحكومة وبيانها الوزاري. فجاء كلام الرئيس بمثابة صدمة، إذ كشف هذا التضليل أمام بيئته، وأثبت أن رئيس الجمهورية لم يغادر لحظة واحدة الموقف الذي أعلنه في خطاب القسم، وأن الموقف الرسمي اللبناني موقف موحّد لجهة الإصرار على نزع السلاح غير الشرعي وتطبيق الدستور.
– السبب الثالث، لأن “الحزب” وجد في كلام الرئيس تصميماً واضحاً على حصر السلاح بيد الدولة، وأن هذا الأمر غير خاضع للظروف أو للمساومات، بعدما أثبت هذا السلاح فشله، وفقًا لكلام الرئيس، وبات قيام الدولة واستعادتها لسيادتها مرتبطًا حصرًا باحتكارها وحدها لوسائل القوة. كما أن مطلب حصر السلاح لم يعد مطلبًا وطنيًا سياسياً لفريق دون آخر، بل مطلباً وطنياً جامعاً. وأكثر ما يخشاه “الحزب” اليوم هو الانتقال إلى المرحلة الثانية من نزع السلاح، إذ يعتبر أنه قادر على تحمّل الضربات الإسرائيلية، لكنه لا يقوى على مواجهة سيطرة الجيش على الأرض، فاختار التلويح بالحرب والتهديد بها في محاولة لمنع الحكومة من الانتقال إلى هذه المرحلة.
من هنا، لم تكن دعوة رئيس الجمهورية إلى التعقّل دعوة خطابية، بل كانت إعلانًا سياسيًا واضحًا بأن زمن الغريزة والسلاح الخارج عن الدولة انتهى، وأن الدولة لا تُبنى بالتوازنات القسرية ولا بالتهديد، بل بالعقل، والدستور، واحتكار الشرعية للقوة. وكل رفضًا للاعتراف بهذه الدعوة ليس إلا رفضًا للاعتراف بالواقع، ومحاولة يائسة لتأجيل لحظة الحقيقة، فيما لبنان لم يعد يملك ترف الهروب من استحقاق قيام الدولة الفعلية.


